الجصاص
433
أحكام القرآن
أولادكم " ، فاكتفى بذكر بيوت أنفسكم عن ذكر بيوت الأولاد ، إذ كانت منسوبة إلى الآباء . وقوله تعالى : ( أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ) ، روي عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : ( أو ما ملكتم مفاتحه ) قال : " هو الرجل يؤكل الرجل بصنعته ، يرخص له أن يأكل من ذلك الطعام والثمر ويشرب من ذلك اللبن " وعن عكرمة في قوله : ( أو ما ملكتم مفاتحه ) قال : " إذا ملك المفتاح فهو جائز ولا بأس أن يطعم الشيء اليسير " . وروى سعيد عن قتادة في قوله : ( ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ) قال : " كان الرجل لا يضيف أحدا ولا يأكل من بيت غيره تأثما من ذلك ، وكان أول من رخص الله له في ذلك ثم رخص للناس عامة ، فقال : ( ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم ) إلى قوله : ( أو ما ملكتم مفاتحه ) مما عندك يا ابن آدم ، أو صديقكم ، ولو دخلت على صديق فأكلت من طعامه بغير إذنه كان ذلك حلالا " . قال أبو بكر وهذا أيضا مبني على ما جرت العادة بالإذن فيه فيكون المعتاد من ذلك كالمنطوق به ، وهو مثل ما تتصدق به المرأة من بيت زوجها بالكسرة ونحوها من غير استئذانها إياه ، لأنه متعارف أنهم لا يمنعون من مثله ، كالعبد المأذون والمكاتب يدعوان إلى طعامهما ويتصدقان باليسير مما في أيديهما فيجوز بغير إذن المولى . وقوله : ( أو صديقكم ) ، روى الأعمش عن نافع عن ابن عمر قال : " لقد رأيتني وما الرجل المسلم بأحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم " . وروى عبد الله الرصافي عن محمد بن علي قال : " كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرى أحدهم أنه أحق بالدينار والدرهم من أخيه " . وروى إسحاق بن كثير قال : حدثنا الرصافي قال : " كنا عند أبي جعفر يوما فقال : هل يدخل أحدكم يده في كم أخيه أو كيسه فيأخذ ماله ؟ قلنا : لا ، قال : ما أنتم بإخوان " . قال أبو بكر : قد دلت هذه الآية على أن من سرق من ذي رحم محرم أنه لا يقطع ، لإباحة الله لهم بهذه الآية الأكل من بيوتهم ودخولها من غير إذنهم فلا يكون ماله محرزا منهم . فإن قيل : فينبغي أن لا يقطع إذا سرق من صديقه ، لأن في الآية إباحة الأكل من طعامه . قيل له : من أراد سرقة ماله لا يكون صديقا له . وقد قيل : إن هذه الآية منسوخة بقوله : ( لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا ) ، وبقوله صلى الله عليه وسلم : " لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه " . قال أبو بكر : ليس في ذلك ما يوجب نسخه ، لأن هذه الآية فيمن ذكر فيها ، وقوله : " لا تدخلوا بيوتا